محمد طاهر الكردي
170
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فنصبوا الحبال حتى استقام لهم ، ووضعوا أيديهم « أي قاموا بالبناء » ، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة ، واتخذوا فيه منبرا ، فكتب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : « أما بعد فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين أما حسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك فعزمت عليك إلا ما كسرته » اه . ويقال إنه وقف على إقامة قبلة مسجده ثمانون رجلا من الصحابة ، منهم الزبير بن العوام ، والمقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، والدرداء ، وأبو ذر ، وعقبة بن عامر ، وغيرهم ، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين . وكان الذي يؤذن له في المسجد ويبخّره أبو مسلم اليافعي صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يكن لجامع عمرو محراب ولا مئذنة ، حيث لا يعرفهما الناس ، وإنما حدثا في آخر المائة الأولى ، وكان الجامع مفروشا بالحصباء ، اتخذوا ذلك من تحصيب أرضية المسجد النبوي الذي كان في زمنه صلى اللّه عليه وسلم ، إلى أن جاء مسلمة بن مخلد ، أمير مصر ، من قبل معاوية رضي اللّه عنه ، ففرش مسجد عمرو بالحصير ، بعد أن جدد بناءه وزاد فيه ، وذلك سنة ثلاث وخمسين من الهجرة . فمنذ أن فتحت مصر لم يكن بها مسجد تقام فيه الجمعة سوى جامع عمرو بن العاص ، قال القضاعي : لم تكن الجمعة تقام في زمن عمرو بن العاص بشيء من أرض مصر إلا بجامع الفسطاط ، قال ابن يونس : جاء نفر من غافق إلى عمرو بن العاص فقالوا : إنا نكون في الريف فنجتمع في العيدين الفطر والأضحى ، ويؤمنا رجل منا ، قال : نعم ، قالوا : فالجمعة ؟ قال : لا ، ولا يصلي الجمعة بالناس إلا من أقام الحدود وأخذ بالذنوب وأعطى الحقوق . اه ، وكما بنى عمرو بن العاص جامعه بالفسطاط بمصر بنى مسجدا في الإسكندرية ، حينما فتحها مرة ثانية ، عندما نقضوا العهد ، وذلك سنة خمس وعشرين ، في خلافة عثمان ، رضي اللّه عنهما ، ويسمى مسجده هذا مسجد الرحمة ، وذلك حينما دخل الإسكندرية أمعن في قتلهم ، فكلموه في ذلك ، فرفع عنهم السيف ، وبنى في هذا الموضع الذي رفع السيف عنهم هذا المسجد ، فلذلك سمي بمسجد الرحمة ، كما جاء في حسن المحاضرة . فلما كان سنة ( 133 ) ثلاث وثلاثين ومائة قدم عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس ، من العراق ، في طلبه مروان الحمار ، فنزل عسكره في شمال الفسطاط ،